في مشهدٍ مهيبٍ يشبه انكسار الشمس عند المغيب، يقف اللورد العجوز "هيديتورا إيتشيمونجي" وسط السهول اليابانية، مرتديًا درعه الذهبي، تتقاذفه الرياح كما تتقاذف الأقدار عقلًا أثقلته السلطة. هنا يبدأ فيلم "ران" (RAN) — تحفة المخرج الأسطوري أكيرا كوروساوا، الذي حوّل مأساة الملك لير إلى ملحمة ساموراي غارقة في الفلسفة اليابانية عن الكبرياء، الكارما، وسقوط الإنسان أمام شهوته للسلطة.
منذ المشهد الأول، نُدرك أن كوروساوا لا يصنع فيلمًا عن الحرب، بل عن الانهيار الداخلي للإنسان. فـ"ران" في اللغة اليابانية تعني الفوضى، وهي ليست فوضى الممالك فقط، بل فوضى الروح حين تضل طريقها في ظلال السيف.الساموراي الذي نسي "البوشيدو"
ينسحب كوروساوا من البنية الغربية للمأساة ليقدّم رؤية شرقية عن العدل والقدر. فهيديتورا، سيد الحرب المتقاعد، يوزّع مملكته على أبنائه الثلاثة، ظانًا أنه سيجد فيهم البرّ والوفاء. لكن السلطة، كسمّ بطيء، تمزق روابط الدم وتحوّلهم إلى أعداء.
هنا تتعرّى فلسفة الساموراي من مثالية "البوشيدو" — طريق الشرف، وتتحول إلى مرآة تعكس سقوط الأخلاق حين يعلو صوت السيف على صوت الحكمة.
تبدو الكاميرا عند كوروساوا مثل ريشة شاعر أكثر منها عدسة مصور. تتنقل بين اللقطات الواسعة للجبال اليابانية وكأنها تصوّر روح الطبيعة وهي تشهد على جنون الإنسان. فالفيلم كله مرسوم بألوان النار والغبار — أصفر للخيبة، أحمر للدم، ورمادي للحقيقة المطموسة.
الجنون كمرثية للسلطة
حين يفقد هيديتورا عقله، لا نراه مجنونًا بقدر ما نراه كائنًا أفاق من وهم السلطة بعد فوات الأوان. في صمته، نسمع ضجيج الحروب الماضية التي خاضها باسم المجد. وفي عينيه الزجاجيتين، نرى اليابان ما بعد الحرب — مملكة فقدت توازنها بين تراث الساموراي وواقعية العالم الحديث.
كوروساوا لم يكن يروي قصة تاريخية، بل يكتب بيانًا إنسانيًا عن الغرور والخلاص. في كل لقطة، يهمس لنا:
"حين يظن الإنسان أنه يملك العالم، يبدأ العالم بالابتعاد عنه."
ولهذا، فإن "ران" ليس فقط عن اليابان الإقطاعية، بل عن كل زمن يُصاب فيه الإنسان بعمى القوة.
سيمفونية بصرية وفكرية
موسيقى "تورو تاكيميتسو" تُشبه نواح الأرواح التائهة. لا تصاحب المعارك، بل تسبقها كإنذارٍ صامت. كل إيقاع فيها يذكّرنا بأن الحرب ليست مجدًا، بل جنازة مفتوحة على اتساع السماء.
في النهاية، يرحل الجميع. وتبقى الأرض اليابانية وحدها — شاهدة على عبث الإنسان، وعلى حكمة الطبيعة التي لا تموت.
تمامًا كما كتب ياناغيتا كونيو في دراساته عن الفولكلور: "حين يختفي الإنسان من فوق الأرض، تبقى الجبال تروي قصصه."
المراجع اليابانية المعتمدة لهذا المقال
-
صحيفة The Japan Times — تغطيات ثقافية عن أعمال أكيرا كوروساوا وسينما ما بعد الحرب.
-
الأرشيف السينمائي الياباني (Japanese Film Archive)
