كيف تعيش؟… وصية هاياو ميازاكي الأخيرة إلى الإنسان

في مساءٍ يابانيّ هادئ، تسافر الكاميرا عبر غيومٍ زرقاء كثيفة نحو برجٍ رماديّ يلوح في الأفق. هناك، يبدأ صبيّ يُدعى ماهيتو ماكي رحلته بين العالمين — عالم البشر الذي ي…

كيف تعيش؟… وصية هاياو ميازاكي الأخيرة إلى الإنسان
المؤلف MrH4English
تاريخ النشر
آخر تحديث


في مساءٍ يابانيّ هادئ، تسافر الكاميرا عبر غيومٍ زرقاء كثيفة نحو برجٍ رماديّ يلوح في الأفق. هناك، يبدأ صبيّ يُدعى ماهيتو ماكي رحلته بين العالمين — عالم البشر الذي يختنق بالحروب والفقد، وعالمٍ غامض يسكنه طائر مالك الحزين الناطق، يُغريه بالدخول إلى ما وراء الواقع.

 

 هكذا يفتتح هاياو ميازاكي، شيخ الرسامين الحالمين، فيلمه الأخير "كيف تعيش؟"، وكأنه لا يقدّم حكاية لطفلٍ يتيه في الخيال، بل رسالة وداعٍ من فنانٍ عاش قرنًا وهو يفتش عن معنى الحياة.

بين الفقد والبحث عن الذات

القصة تبدأ بعد الحرب — تلك الندبة التي لا تزال اليابان تحملها في ذاكرتها الجمعية.
يفقد ماهيتو والدته في غارةٍ جوية، ثم ينتقل مع والده إلى بيتٍ جديد تحيط به الغابات. هناك، يكتشف برجًا غريبًا يشبه أطلال الأساطير اليابانية القديمة، فيلتقي بمالك الحزين الذي يقوده نحو عالمٍ سفليّ — عالمٍ يختلط فيه الموت بالحياة، والحلم بالحقيقة.

في هذا العالم، يواجه ماهيتو شخوصًا تمثل أجزاءً من روحه: طفلًا يشبهه لكنه أكثر براءة، وساحرًا عجوزًا يتحدث بصوت القدر.
كل مشهدٍ في الفيلم هو تأملٌ في معنى الوجود، وفي كيف يعيش الإنسان حين يفقد من يحب.

الرمز… لغة ميازاكي الأبدية

هاياو ميازاكي لا يشرح؛ بل يرسم المعنى بالألوان والسكوت.
الطائر الرمادي ليس مجرد دليلٍ في الرحلة، بل تجسيدٌ للذاكرة — الذاكرة التي تراقب الإنسان وهو ينسى نفسه شيئًا فشيئًا.
والبرج الذي يدخله ماهيتو، ليس مكانًا ماديًا بقدر ما هو بوابة إلى ما يسميه الفلاسفة اليابانيون “الواقع الباطن”، ذلك العالم الذي يسكن داخل القلب، لا خارجه.

إنه فيلم عن كيف يواصل الإنسان الحياة بعد أن تتداعى أركانها — عن ذلك الخيط الرقيق الذي يربط بين الألم والأمل، كما تربط ريشة طائرٍ بين السماء والأرض.

الإنجاز الفني والإنساني

حقق الفيلم نجاحًا غير مسبوق في اليابان، إذ تجاوزت أرباحه 2.14 مليار ين خلال أربعة أيام فقط، ليصبح أكبر افتتاحية في مسيرة ميازاكي.
وفي الولايات المتحدة، جمع أكثر من 23 مليون دولار في أسبوعه الأول، محطمًا الرقم الذي ظلّ ثابتًا منذ “آريتي المقترضة”.

لكن الأرقام لا تهم ميازاكي بقدر ما تهمه الفكرة.
فهذا الفيلم، الذي أخرجه بعد سنوات من التقاعد، هو بمثابة تحية أخيرة إلى الأجيال الجديدة، وسؤال مفتوح في وجه العالم:

“كيف تعيش، حين يصبح العيش فعلًا من أفعال الشجاعة؟”

الفيلم كمرآة للروح اليابانية

حين نشاهد “كيف تعيش؟”، نشعر بأننا أمام قصيدة من النوع الذي كان يكتبه ياناغيتا كونيو حين يتأمل قصص القرى اليابانية القديمة.
الفيلم يمزج بين روح الـ“كامي” — أرواح الطبيعة في الشنتو — وبين الموروث البوذي عن التناسخ والتطهّر.
وفي قلب كل مشهد، يهمس ميازاكي بفكرة واحدة: أن الإنسان لا يُولد ليهرب من العالم، بل ليصنع له معنى جديدًا.

الجوائز والتكريمات

نال الفيلم جائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة لعام 2024، وجائزة الغولدن غلوب، وعدة جوائز نقدية من جمعيات بوسطن وشيكاغو ولوس أنجلوس.
كل ذلك لم يكن تكريمًا لفيلم فحسب، بل تكريمًا لمسيرة مبدعٍ أعاد تعريف معنى الخيال في السينما.

في الختام… حين يصبح السؤال حياة

“كيف تعيش؟” ليس مجرد عنوان، بل وصية.
فميازاكي، الذي قدّم لنا عوالم “توتورو” و“الأميرة مونونوكي” و“قلعة هاول”، يغلق دائرته بهذا السؤال الأبدي، تاركًا الجواب في قلب كل مشاهد.
ربما أراد أن يقول لنا:

“اعبروا برجكم الخاص، واجهوا مالك الحزين في دواخلكم… ثم عيشوا.”

المراجع اليابانية المعتمدة لهذا المقال
  • صحيفة The Japan Times – تغطيات عن فيلم Kimitachi wa Dō Ikiru ka واستقبال الجمهور الياباني.

  • أرشيف Ghibli Museum, Mitaka – المواد التوثيقية الخاصة بإنتاج الفيلم

  • موقع youkaiya.jp – مقالات حول رمزية الطيور والكائنات الروحية في الثقافة اليابانية

تعليقات

عدد التعليقات : 0