تاكايئتشي سانائي: الزهرة الحديدية في رياح السياسة اليابانية

في صباحٍ باردٍ على ضفاف العاصمة طوكيو ، دخلت تاكايئتشي سانائي (高市早苗) قاعة البرلمان وهي تحمل ملامح جيلٍ جديد من القيادة اليابانية. امرأةٌ من محافظة نارا، ابنة الريف…

تاكايئتشي سانائي: الزهرة الحديدية في رياح السياسة اليابانية
المؤلف MrH4English
تاريخ النشر
آخر تحديث

في صباحٍ باردٍ على ضفاف العاصمة طوكيو، دخلت تاكايئتشي سانائي (高市早苗) قاعة البرلمان وهي تحمل ملامح جيلٍ جديد من القيادة اليابانية.
امرأةٌ من محافظة نارا، ابنة الريف، لكنها اليوم أول رئيسة وزراء في تاريخ اليابان الحديث — لحظة رمزية تختزل قرناً من التحول الاجتماعي، وتفتح باباً على عهدٍ تتقاطع فيه الوطنية بالواقعية السياسية.

قبل أشهرٍ من توليها المنصب، كانت تاكايئتشي قد تلقت دعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقاءٍ شخصي في واشنطن. لكنها — بدافع من أدبها السياسي — رفضت الدعوة آنذاك احتراماً للتراتبية، مؤكدةً أنّ رئيس الوزراء السابق شيغيرو إيشيبا يجب أن يكون أول من يلتقي الرئيس الجديد.
كتبت على حسابها الرسمي في منصة X:

"سأعمل بجد لأحمل يوماً ما مكانة تتيح لي أن ألتقيه بكرامةٍ تليق ببلادي."

ذلك "اليوم" قد جاء أخيراً.

تاكايئتشي، التي وصفتها الصحف الغربية بـ"الزهرة الحديدية"، وقفت أمام البرلمان لتُلقي خطابها الأول، واضعةً أولوياتها بوضوح:
مواجهة ارتفاع الأسعار، واستعادة الثقة في الاقتصاد الياباني، وتعزيز الدفاع الوطني.

قالت في مستهل كلمتها:

"سأحوّل قلق الناس بشأن حاضرهم ومستقبلهم إلى أمل. وسأجعل اليابان تتفتح مجدداً في قلب المجتمع الدولي."

وفي نَفَسٍ مستوحى من مدرسة الزعيم الراحل شينزو آبي، شددت على أنّ تحالف طوكيو وواشنطن سيبقى "حجر الزاوية" في الدبلوماسية اليابانية. كما عبّرت عن رغبتها في بناء علاقة ثقة شخصية مع ترامب، قائلة إنها "تأمل أن ترفع العلاقات الثنائية إلى آفاقٍ جديدة".

لكن الطريق ليس سهلاً.
فبين ضغوط واشنطن المتزايدة في ملف الدفاع، وتقلبات أسعار الطاقة، وتراجع الين، تجد تاكايئتشي نفسها أمام معادلةٍ حساسة: كيف تُقوّي دفاع اليابان وتُنعش اقتصادها في الوقت ذاته؟
خاصة وأنها أعلنت نيتها تسريع رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2026، وهو قرار يحمل تبعات مالية كبرى على الدولة.

في الداخل، يراقب الشارع الياباني أول رئيسة وزراء بأنفاسٍ متوترة.
هل تستطيع امرأة من الجناح المحافظ أن تُحدث توازناً بين الواقعية الاقتصادية والتطلعات الأمنية؟
وهل يمكن أن تُعيد الثقة لحزبها (الحزب الليبرالي الديمقراطي) الذي ما زال يتعافى من فضائح السنوات الماضية؟

تقول الإحصاءات إن شعبيتها بلغت 71% — رقمٌ غير مسبوق منذ عهد آبي — لكنه رقم هش، يتوقف على قدرتها على إثبات أن اليابان قادرة على القيادة دون أن تفقد هدوءها.

في أول رحلة خارجية لها، تتجه تاكايئتشي إلى قمة الآسيان في ماليزيا ومنتدى آبيك في كوريا الجنوبية، حيث ستُختبر قدرتها على الموازنة بين صرامة الموقف ونعومة الخطاب.
وهناك، سيلتقيها ترامب وجهاً لوجه للمرة الأولى — لقاءٌ يحمل رمزيةً تتجاوز السياسة، إلى تاريخ العلاقات اليابانية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.

في مؤتمرها الصحفي الأخير، قالت بابتسامةٍ خجولة:

"أحب الأعشاب البحرية الكورية، وأتابع الدراما الكورية، وأستخدم مستحضراتهم التجميلية."

عبارةٌ بدت بسيطة، لكنها كانت رسالة دبلوماسية ناعمة من زعيمةٍ تعرف أنّ في شرق آسيا، التفاصيل الصغيرة تصنع التاريخ.

إنّ تاكايئتشي سانائي اليوم ليست مجرد سياسية.
إنها مرآةٌ لتاريخ اليابان المعاصر — بلدٍ يتأرجح بين ماضيه الصناعي وروحه الفولكلورية العميقة، بين التقاليد والحداثة، وبين صوت المرأة الصاعد وأصوات الأجداد التي ما زالت تهمس في الريف البعيد.

ويبقى السؤال الأجمل:
هل ستنجح الزهرة الحديدية في إعادة توازن البوصلة اليابانية بين واشنطن وبكين… دون أن تفقد لونها الوطني المشرق؟

المراجع اليابانية المعتمدة لهذا المقال
  • 柳田國男، 妖怪談義 — دراسات عن الظواهر الفولكلورية واليوكاي الياباني.

  • صحيفة The Japan Times 


تعليقات

عدد التعليقات : 0