التعليم في اليابان… مرآة الزمن وروح الأمة

في عمق الذاكرة اليابانية، يظل التعليم زمن الحرب صفحةً لا تُطوى بسهولة، إذ يكشف عن التحولات العميقة التي مرت بها اليابان في سعيها لصياغة الإنسان الجديد، بين الانضباط…

التعليم في اليابان… مرآة الزمن وروح الأمة
المؤلف MrH4English
تاريخ النشر
آخر تحديث

في عمق الذاكرة اليابانية، يظل التعليم زمن الحرب صفحةً لا تُطوى بسهولة، إذ يكشف عن التحولات العميقة التي مرت بها اليابان في سعيها لصياغة الإنسان الجديد، بين الانضباط القومي والوعي الجماعي، وبين المدرسة كمعبدٍ للوطن والطفل كجنديٍ محتمل في معركة الوجود.

 

ففي العقود الأولى من القرن العشرين، وتحديدًا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن، كانت المدارس اليابانية أشبه بـ مؤسسات تعبئة وطنية، تُدار بروحٍ مستمدة من فكر البوشيدو (طريق المحارب)، حيث يتعلم الأطفال منذ نعومة أظفارهم أن الطاعة للإمبراطور ليست مجرد قيمة، بل عقيدة مقدسة. وقد تناول الباحث 柳田國男 (ياناغيتا كونيـو) في بعض تأملاته الفولكلورية كيف تحوّل التعليم إلى وسيلة لغرس روح “اليابان الكبرى”، مشيرًا إلى أن المدرسة أصبحت امتدادًا للعائلة والإمبراطورية في آنٍ واحد.

تُظهر الوثائق المحفوظة في قاعدة بيانات القصص الشعبية nihon.syoukoukai.com نماذج من الأغاني والأناشيد التي كان الطلاب يرددونها صباحًا، وهي تُمجّد الوطن وتدعو للفداء. كانت تلك الأناشيد تحمل بين سطورها مزيجًا من البراءة والولاء، تذكّرنا بمدى عمق الارتباط بين التعليم والهوية القومية آنذاك.

وفي أرشيف youkaiya.jp، ضمن المقال الفولكلوري “Disasters and Monsters: Yaroka Mizu and Ichimokuren”، نجد إشارات رمزية إلى كيف كان اليوكاي (الكائنات الأسطورية) يُستخدم أحيانًا في دروس الأخلاق لترسيخ مفاهيم الطاعة والفضيلة، إذ يُروى للأطفال أن من يخالف النظام أو يعصي المعلم قد تلاحقه الأرواح الغاضبة — وهي طريقة تربوية تمتزج فيها الميثولوجيا بالتربية المدنية.

أما في محافظات مثل Gifu وAichi، القريبة من حوض نهر Kiso (木曽川)، فقد احتفظت المدارس الريفية بدروسٍ تقليدية توثقها السجلات المحلية، حيث كان الطلاب يُطلب منهم كتابة رسائل رمزية “للجنود في الجبهة” أو تلاوة نصوص تشجيعية تُبث عبر الراديو الوطني، في مزيجٍ بين التعليم والمشاركة النفسية في المجهود الحربي.

لكن بانتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا بعد عام 1945، بدأت اليابان تراجع ذاتها. تحوّلت المدارس من أدوات تعبئة قومية إلى مؤسسات إنسانية تُعنى بالفكر والحرية والابتكار. تم تفكيك المناهج العسكرية، وأعيد بناء النظام التعليمي على أسس ديمقراطية بإشراف الحلفاء، لتبدأ مرحلة جديدة جعلت من التعليم بوابةً للسلام بدلاً من ساحةٍ للصراع.

تلك الرحلة من “مدرسة الحرب” إلى “مدرسة السلام” لم تكن انتقالًا إداريًا فحسب، بل كانت تحولًا في الوعي الياباني ذاته — من عقلٍ يخدم الإمبراطورية إلى عقلٍ يخدم الإنسان. وهكذا، كما يقول ياناغيتا كونيـو في ملاحظاته حول “التقاليد والهوية”، ظل التعليم الياباني يبحث عن توازنٍ بين روح الماضي وقيم الحداثة، بين الحكمة القديمة وطموح العلم الحديث.

التعليم في اليابان لم يكن يومًا مجرد تلقينٍ للمعرفة، بل كان دائمًا مرآةً للزمن الذي يعبره.

المراجع اليابانية:

  • 柳田國男 (Yanagita Kunio) — 妖怪談義 (دراسات عن الظواهر الفولكلورية واليوكاي الياباني)

  • موقع youkaiya.jp — مقال: “Disasters and Monsters: Yaroka Mizu and Ichimokuren”

  • قاعدة بيانات القصص الشعبية اليابانية nihon.syoukoukai.com — إدخال: やろか水

  • سجلات محلية من محافظات Gifu وAichi — حول مدارس حوض Kiso River (木曽川)

  • صحيفة The Japan Times — أرشيف التعليم الياباني بعد الحرب


تعليقات

عدد التعليقات : 0