في مشهد رمزيّ يختزل قرونًا من الطموح الإنساني، انتقلت راية إكسبو من الشرق الآسيوي إلى قلب الجزيرة العربية. من أوساكا اليابانية، مدينة التقنية والحداثة المنضبطة، إلى الرياض السعودية، مدينة الرؤية والطموح اللامحدود.
هناك، في نهاية ستة أشهر من الإبداع والابتكار، سلّمت اليابان للعالم مشعلها الجديد — مشعل المستقبل. كان الحفل الختامي لإكسبو 2025 في أوساكا أكثر من مجرد ختامٍ لمعرض، بل كان جسرًا ثقافيًا وحضاريًا، مرّت عبره فكرةٌ كبرى: أن المعرفة لا تنطفئ، بل تنتقل.وعندما رفرفت الراية بين الأيدي، لم تكن قطعة قماش فحسب، بل رمزًا للعهد الإنساني المتجدد بين الشعوب، بأن الإبداع لا وطن له، لكنه يجد في الأوطان الصادقة أرضًا خصبة للنمو.
من أوساكا إلى الرياض: لحظة تلاقي الشرقين
أوساكا، المدينة التي تحتضن العلم كأنه طقس يومي، سلّمت اليوم رايتها إلى الرياض، العاصمة التي تنبض بذكاء الرؤية السعودية 2030.
وبين الرقمين، 2025 و2030، يقف الزمن كراوٍ كبير، يحكي للعالم قصة انتقال الشعلة من أمة صنعت التقنية إلى أمة تصنع الغد.
تُذكّرنا هذه اللحظة بشيء من روح اليابان التي تعرف كيف تبني من الرماد نهوضًا، ومن الصمت فكرًا، ومن النظام جمالًا.
واليوم، تُكمل الرياض الحكاية بطريقة مختلفة — بطموح عربيٍ حديثٍ يتنفس العالم بلغته الخاصة، لغة التنمية الشاملة، والاستدامة، والتكنولوجيا التي تخدم الإنسان لا تسيطر عليه.
إكسبو 2030: مسرح العالم على أرض الرياض
ستفتح الرياض أبوابها للعالم في 1 أكتوبر 2030، على مساحةٍ شاسعة تبلغ 6 ملايين متر مربع، تتوزع على خمس مناطق رئيسية، تُسلّط الضوء على أعظم القضايا التي تشغل الإنسانية:
كيف نُجدّد علاقتنا بالكوكب؟ كيف نبني مدنًا ذكية دون أن نُفقدها دفء الإنسان؟ وكيف يمكن للتنمية أن تكون شاملة، لا تترك أحدًا خلفها؟
من المقرر أن يستقبل المعرض أكثر من 42 مليون زيارة، تمثّل 197 دولة و29 منظمة دولية، في مشهد أشبه بقرية كونية تلتقي فيها الثقافات، وتتصافح فيها الأيدي، وتتبادل فيها العقول الحلول قبل التحيات.
بين الرمزية والتاريخ
عندما تُسلم اليابان راية إكسبو إلى المملكة، فإنها لا تُسلّم حدثًا تنظيميًا فحسب، بل تسلم فلسفة.
اليابان التي أتقنت معنى "العمل في صمت"، تسلّم الراية إلى بلدٍ يتقن "الحلم بصوتٍ عالٍ".
وما بين الهدوء الياباني والعزم السعودي، يتشكّل توازن جميل بين التأمل والفعل، بين التاريخ والرؤية، بين الشرق والشرق الآخر.
الرياض... عاصمة الغد
حين تصل تلك الراية إلى سماء الرياض، لن تكون راية قماش، بل راية فكرة.
فالمعرض الذي سيُقام عام 2030 لن يكون مجرّد حدث عالمي، بل إعلان ميلادٍ جديدٍ لمفهوم التنمية الإنسانية.
ستكون الرياض — في تلك الأشهر الستة — مختبرًا عالميًا للأمل، حيث يجتمع المهندسون والمبدعون والفلاسفة والعلماء تحت شعار واحد: نحو غدٍ مشترك.
في كل مرة تُسلم فيها اليابان شيئًا إلى العالم، تكون الرسالة أعمق مما تبدو.
وفي كل مرة تستلم فيها السعودية شيئًا من العالم، تُضيف إليه شيئًا من روحها.
ما حدث في أوساكا لم يكن مجرد انتقال راية، بل ولادة عهدٍ جديدٍ بين حضارتين شرقيتين تؤمنان بأن المستقبل يُبنى لا يُنتظر.
من أوساكا إلى الرياض، من الشرق إلى الشرق، من الحلم إلى التحقيق —
هكذا تنتقل الشعلة.

